منصة هيبان المعرفيةمنصة هيبان المعرفية
|
العودة إلى كل المقالاتمقال الافتتاح

هيبان زينة المدائن وقدس أقداسي

ايليا أرومي كوكو ٨ يونيو ٢٠٢٦
صورة أرشيفية موثقة
هيبان زينة المدائن وقدس أقداسي

مقدمة الحنين

هيبان… ليست بقعةً على خارطة، ولا اسماً يُذكر عرَضاً في كتاب. هيبان نبضُ القلب، ومرفأُ الذاكرة، وقِبلةُ الحنين. هي زينةُ المدائن في عيون أبنائها، وقدسُ أقداسي الذي إليه أهفو كلما اشتدّ الضجيجُ من حولي، وكلما تثاقلت خطى الأيام على روحي المتعبة في الغربة.

نشأتُ في كنفِ جبالها، وارتويتُ من حكاياتِ شيوخها، وعشتُ على وقعِ طبولها، فما عاد بإمكاني أن أكتبَ سطراً واحداً لا تسكنُهُ رائحةُ ترابها بعد المطر.

أرضُ الجبال والنُّبل

تتربّع هيبان في كنف جبال النوبة الشامخة، حيث تتعانق السماءُ بالأرض، ويعزفُ النسيمُ على أوتار الذرة والسمسم لحناً لا يعرفه إلا أبناءُ السهول والوديان. هنا يُعانقُ الجبلُ الأسود الشامخ جبل واو وجبل قلورو، وتمتدّ جبال كوجور وكجامه والمقرح، ثم تنحدرُ سهولُ الأزرق إلى ريفِ كاودا الصمود والإباء، فإلى لويري وشاوري وشيبون.

في هذه الجغرافيا المقدّسة وُلِدَ الإنسانُ النوبيّ صلباً كالحجر، ليّناً كالنخلة، صبوراً كالأرض حين تنتظرُ المطر.

الأجدادُ والفطاحلة

في هيبان، الإنسانُ هو الكنزُ الأثمن. هنا تعلّمتُ أن الكرامة لا تُشترى، وأن الكلمةَ عهدٌ، وأن الجارَ قبل الدار.

  • المك كمبجو كومي — جدّ الأجداد، صاحب الهيبة والعدل، الذي كانت كلمتُهُ ميزاناً لا يميل.
  • السير أرنو كبي — الفارسُ الذي حمل أمانة القبيلة كما يُحمل النور في الليل الطويل.
  • المك الدومة انقلو — الذي رسّخ تقاليد الحكمة وأشاع روحَ الشورى بين القبائل.
  • كاتب المك كنده أيدان — يدُ الذاكرة التي خطّت ما لم تستطعه الألسن.
  • البرلماني إبراهيم كوكو — صوتُ هيبان في أروقة السياسة، وحاملُ همومها إلى المنابر العليا.
  • الشيخ موسى كومي — حارسُ الموروث الديني والعرف الاجتماعي، عالِمٌ بأصول الناس وفصولها.

من هؤلاء وغيرهم تتشكّل سيرةُ مجدٍ لا يُمحى، يتوارثه الأبناءُ عن الآباء كما يُتوارث القمحُ من موسمٍ إلى موسم.

المعلّمون الأوائل وحملةُ الطباشير

قبل أن يحمل أبناءُ هيبان السلاحَ، حملوا الطباشير. قبل أن يبنوا المباني، بنوا الإنسان.

لا يمكنُ لقلمٍ أن يفي معلّمَ هيبان حقّه، فهم الذين أضاءوا ليلَ الأمّيّة بشموع المعرفة، وزرعوا في طين القرى عقولاً تَحمل غدَها. لهم نُنشدُ ما قاله أمير الشعراء:

قُمْ للمعلِّمِ وَفِّهِ التَّبجيلا
كادَ المعلِّمُ أن يكونَ رَسولا
أعَلِمْتَ أشرَفَ أو أَجلَّ من الذي
يَبني وَيُنشِئ أَنفُساً وَعقولا
— أحمد شوقي

النساءُ الرائدات والدّايات

في هيبان، المرأةُ ليست ظِلّاً، بل شمسٌ تُضيءُ البيتَ والحقلَ والقافلة. كانت الدّاية لية كومي يدَ الحياة الأولى التي استقبلت أجيالاً من أبناء القرية، فما رَدّت محتاجةً، ولا تأخّرت ليلةَ ولادةٍ مهما اشتدّ المطر.

ومثلها كثيراتٌ: حاملاتُ الجرارِ من الآبار البعيدة، طاحناتُ الذرة على وقعِ الأهازيج، حافظاتُ الحكاياتِ في صدورهنّ كأنهنّ مكتباتٌ تمشي على قدمين.

التجّارُ والترزية وحرفُ العزّة

كانت أسواقُ هيبان تنبضُ بحركةِ التجّار الأمناء، الذين جعلوا من الميزان عهداً ومن الكلمةِ عَقداً. وكان الترزيةُ، كنده كوكو وأنقلو كركي، يخيطون ثيابَ العزّة كما يُخاط الفجرُ على ثوبِ الليل، فلا تخرج قطعةٌ من تحتِ أيديهم إلا وتحمل أنفاسَ الإتقان.

التراث الحيّ

في كل بيتٍ من بيوت هيبان قصةٌ تُروى، وفي كل أغنيةٍ من أغاني "الكمبالا" نبضٌ يُعلَن، وفي كل رقصةٍ قَسَمُ وفاءٍ للأرض والأجداد. ومن هنا قال شاعرنا توفيق صالح:

يا أرضَ هيبانَ يا قُدساً نُحجُّ إليهِ
فيكِ الجدودُ وفيكِ المجدُ مُؤْتَلِقُ
ما ضاعَ شعبٌ لهُ جبلٌ وذاكرةٌ
ولا انكسرتْ لأبناءِ النّوبَةِ العُنُقُ
— توفيق صالح

وعدٌ لا يُنسى

كلما ابتعدتُ، اقتربت هيبانُ من قلبي أكثر. وكلما زاحمتني المدنُ الكبرى بضوضائها، استرجعتُ صوتَ الريحِ في غاباتها، وضحكاتِ الأطفال في ساحاتها، وأذانَ الفجرِ يتردّد بين جبالها.

هيبان، أنتِ زينةُ المدائن، وقدسُ أقداسي. وما دامَ في الصدرِ نَفَس، فستظلّين البوصلةَ التي إليها تَهفو الروح.

— إيليا أرومي كوكو

📚 المصادر والمراجع

  • 01🏛️ السجلات الشفهية لكبار سن قرية هيبان ومضارب جبال النوبة، مجموعة الأستاذ إيليا كوكو الميدانية.
  • 02📜 توثيق رابطة طلاب ريفي هيبان بالجامعات (هشتيلا) — أرشيف اللجنة الثقافية.
  • 03🏔️ Nadel, S.F. The Nuba: An Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan — Oxford University Press, 1947.
  • 04📖 وثائق الإدارة الأهلية لمملكة هيبان، محفوظات مك كنده أيدان (نسخ ضوئية).
  • 05🎓 شهادات معلّمي الرعيل الأول، مقابلات صوتية محفوظة في أرشيف منصة هيبان المعرفية.
  • 06⚖️ مدوّنات القضاء العرفي للقاضي سليمان انقلو كنكا (مخطوط غير منشور).

✍️ كتبه الأستاذ إيليا كوكو خصيصاً لمنصة هيبان المعرفية — heibanknowledge.org
© 2026 منصة هيبان المعرفية جميع الحقوق محفوظة. المقالات تعبّر عن وجهات نظر أصحابها.

حمّل تطبيق هيبان

ثبّت المنصة على شاشتك الرئيسية لتجربةٍ أنيقة وسريعة، تعمل كتطبيقٍ كاملٍ بدون شريط المتصفح.